Preaching the Gospel, Preparing a People

ولادة الشرق الأوسط الحديث

You are here

ولادة الشرق الأوسط الحديث

Login or Create an Account

With a UCG.org account you will be able to save items to read and study later!

Sign In | Sign Up

×

لمئات السنين بقي العرب دون حكومة خاصة بهم. و منذ أن إحتل الأتراك العثمانيون الأراضي العربية في مطلع القرن السادس عشر، لم يعد العرب شعوبا مستقلة. و حتى قيام الحرب العالمية الأولى وقعت أغلب الأراضي العربية تحت سلطة الامبراطورية العثمانية. أما الاجزاء الأخرى من الأراضي العربية فقد أضحت مستعمرات تسيطر عليها الأنظمة السياسية الأوروبية التي قويت ابان القرن التاسع عشر عشية وهن الإمبراطورية العثمانية.

كان العالم العربي ابان خضوعه للسيطرة العثمانية و حتى مطلع القرن العشرين هادئا تماما. و ما كان بوسع أحد (سوى القلة) أن يتصور الى أي مدى سوف تتغير هذه المنطقة خلال عقود قليلة من الزمن. في عام 1900 كان الشرق الأوسط كما وصفناه في مقدمة هذا الكتيب (فنائاً خلفيا لدهاليز السياسة).

اما الحافز لتغيير خارطة هذه المنطقة فكان الحرب العالمية الأولى و ما نتج عنها. و كان إغتيال ارشيدوق النمسا “فرانز فيرديناند” في سارييفو في 24 حزيران يونيو 1914 هو الشرارة التي فجرت الحرب.. و خلال بضعة اسابيع دخلت كل القوى الكبرى في اوروبا الحرب. و قد تنامت مشاكل البلقان و تراكمت منذ بدأت الدولة العثمانية بالضعف لتفقد نفوذها على العديد من أقاليمها. و كانت المشاعر الوطنية تحرك أحاسيس المجموعات العرقية ضد الحكم الأجنبي الإمبريالي لتتساوى في العداء و الإتجاه حيال امبراطورية النمسا و هنغاريا و حيال الأتراك العثمانيين.

و مع اندلاع الحرب لم يتضح في البداية الى أي جانب سينحاز العثمانيون في الصراع، إلا أنهم عقدوا العزم في النهاية و اختاروا أن ينحازوا الى ألمانيا و النمسا و هنغاريا ضد محور الحلفاء المكوّن من بريطانيا و فرنسا و روسيا. كان هذا خطأ جسيماً في التقدير قاد خلال سنوات قليلة الى إنهيار الامبراطورية العثمانية و وضع حداً لسيطرة الأتراك على مقدرات الشعوب العربية بعد قرون طويلة من الحكم.

بعد قرن من الزمان، ما زال يصعب على المرء أن يفهم كيف قاد إغتيال ارشيدوق أوروبي مغمور (نسبيا) الى تغير جوهري. هذا التغير الدراماتيكي تلازم مع موجة عنف كأن لا نهاية لها صارت تمتد الى أطراف العالم الأخرى و تستمر تداعياتها الى أجل غير معلوم.

الطموحات الوطنية و القومية هي التي قادت الى التغيير

قبل واقعة الإغتيال، كانت التطلعات القومية و الوطنية تنتشر و تتنامى عبر أوروبا و الشرق الأوسط. أبان العصر الفيكتوري كانت الامبريالية مفهوما سائدا، حيث قبلت أوروبا برحابة صدر بإثنياتها متعددة الإمبراطوريات فكرة أن تتولى أمة واحدة (تُعدُ في العادة متفوقة على غيرها) حُكم غيرها من الشعوب الأضعف و الأقل قدرة. و إتسمت العديد من تلك الإمبراطوريات بالتسامح والكرم حيث أتاحت قدراً كبيراً من الحرية للمجموعات العرقية الموجودة ضمن حدودها، بما في ذلك حرية العمل و تحقيق الرخاء.. إلا أنّ الرغبة بالحصول على أوطان قومية تعاظمت تدريجياً في أوساط الشعوب، و يعود جزء من تلك الرغبة الى فرص التعليم المتنامية التي أتاحت للشعوب قراءة آدابها القومية، و هو عنصر ساعدها بالتالي على امتلاك هويتها القومية الخاصة.

هذا التنامي في الوعي القومي لم يكن حصراً بأوروبا، بل انّ شعوب الشرق الأوسط هي الأخرى أمست تجتاحها الرغبة لتحقيق تطلعاتها الوطنية و القومية.

توجه المجاميع الأثنية لنيل استقلالها كان عنصرا سيلعب دورا كبيراً خلال القرن العشرين، لتتحقق بذلك كلمات يسوع المسيح الواردة في (متى ص:24) حيث سأله تلاميذه عن اشارة ظهوره الثاني و نهاية الزمان، فكان في تشخيصه للمشاكل التي ستظهر اشارة الى تعاظم التوترات العرقية “فسوف تقوم أمة ضد أمة، ومملكة ضد مملكة” هكذا تنبأ المسيح (ع:7). و ترجم الإغريق كلمة “أمة” الى كلمة “إثنوس” التي اشتقت منها الكلمة الإنكليزية “أثنية”.

و بتطور المؤسسات الديمقراطية في عدد من البلدان صار للمجاميع الأثنية تمثيل في العواصم و أضحى بامكانهم أن يضغطوا باتجاه تحقيق المزيد من الحكم الذاتي، إلا أنّ العديد من هذه المجاميع كانت تصبوا الى الإستقلال الكامل. هذا التوتر كان سببا رئيساً في قيام الحرب العالمية الأولى و كان عنصراً مهماً في مؤتمر السلام الذي عقد في باريس عقب الحرب.

نتج عن مؤتمر باريس للسلام عام 1919 توقيع اتفاقية “فرساي” التي أدّت الى قيام دول جديدة في أوروبا و الشرق الأوسط. زالت الإمبراطوريات القديمة لتحل محلها دول جديدة صغيرة الأمر الذي زاد في تعقيد العلاقات الدولية و تشابكها. و حل محل تعبير “الحرب التي سوف تنهي كل الحروب” تعبير آخر هو “السلام الذي سوف ينهي كل سلام” أطلقه الضابط البريطاني “آرشيبالد وافل”.

تشكّل الثورة العربية

عشية قيام الحرب العالمية الأولى، كان البريطانيون قد أضحوا قوة كبرى في منطقة الشرق الأوسط. سبب حضورهم الأصلي في هذه المنطقة كان لحماية خطوط امدادهم من و الى الهند، أعزّ ممتلكات التاج البريطاني. و قد قام “بنيامين ديزرائيلي” وهو رئيس وزراء بريطاني من أصل يهودي بتنظيم حملة تمويل حفر و بناء قناة السويس، التي كانت تعد شرياناً حيوياً يغذي الإمبراطورية البريطانية.

و سيطر البريطانيون على مصر حيث تقع القناة، إلا أنّهم لم يلحقوها بمستعمراتهم، كما أنّهم حكموا عدن الواقعة في الحافة الجنوبية لنجد و الحجاز، كما استولوا على مناطق استراتيجية أخرى في الخليج الفارسي.

و هكذا، حين أندلعت الحرب العالمية الأولى، كان البريطانيون في وضع مسيطر تماماً في المنطقة أتاح لهم توجيه و رعاية الثورة العربية ضد الاتراك حلفاء المانيا عدوة بريطانيا. و بدأت الثورة العربية من الحجاز الشريط الساحلي من شبه الجزيرة العربية على امتداد البحر الأحمر حيث تقع مكة و المدينة، و تفجرت الأحداث يوم 10 حزيران يونيو 1916 بعد عامين من اندلاع الحرب العالمية الأولى. قاد الثورة شريف مكة و هو أحد شيوخ الهاشميين كبرى قبائل الحجاز و يُدعَى “الحسين بن علي” (1852-1931) و يرجع أصله الى محمد من خلال حفيده الحسن. و هذا الحسين هو أحد أجداد ملك الأردن الحالي و هو بالطبع هاشمي ايضاً.

و من غرائب الأمور أنّ العرب تحالفوا في ثورتهم مع القوات البريطانية المسيحية ضد الأتراك المسلمين إلا أن الرغبة في تحقيق الأمة العربية الواحدة المستقلة كانت أسمى من غرابة ذلك التحالف! وقاد إثنان من أبناء الشريف حسين القوات العربية الثائرة التي موّلها البريطانيون و ساعدها ميدانيا الجندي البريطاني الشهير “تي. اي. لورنس” (لورانس العرب). و فهم العرب ان إنتصار الثورة يعني قيام الدولة العربية.

وصل العرب الى ذلك الفهم نتيجة المراسلات بين المندوب البريطاني السامي في مصر “السير هنري ماكماهون” و بين الشريف حسين فيما بين 14 حزيران /يونيو 1915 و 3 آذار |مايو 1916 من خلال 10 رسائل سرية تداولها الطرفان. و قد عرض الشريف حسين مساعدة البريطانيين من خلال الثورة على الأتراك في مقابل وعد بريطاني بمنح الإستقلال للعرب بعد الإنتصار. وافق البريطانيون على هذا الشرط باستثناء بعض المناطق، بضمنها تلك الواقعة تحت السيطرة البريطانية.

نجحت الإنتفاضة، و في تشرين الأول /أكتوبر 1917 إجتاحت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال البريطاني “آللنبي” فلسطين و احتلت أورشليم في 9 كانون الأول /ديسمبر، لتصبح المدينة و لأول مرة و منذ إندحار الصليبيين عام 1244 تحت سيطرة المسيحيين. و بعد 400 عام من السلام تحت حكم العثمانيين بدأ قرن جديد من الصراع الذي يتركز في “مدينة السلام”.

و في وقت مبكّر من نفس العام كان البريطانيون قد أحتلوا بغداد، و في العام الذي تلاه سقطت دمشق. بعد ثلاثة أيام من سقوطها على يد قوات الثورة العربية، دخل المدينة الجنرال “آلننبي” و الأمير “فيصل” إبن الشريف حسين. كان فيصل على رأس قوة من 1000 فارس، و إستقبله الناس بالهتاف و التصفيق لا سيما و إنهم قد تخلصوا من الحكم العثماني و إبتهجوا بإستقلال المملكة العربية.

و تلى اندحار دول المحور، انهيار امبراطورية المانيا و النمسا و الإمبراطورية العثمانية، فيما كانت الامبراطورية الروسية –و هي حليفة بريطانيا و فرنسا، و في نهاية الحرب حليفة الولايات المتحدة الأمريكيية- قد انهارت خلال الحرب على أيدي الشيوعيين.

وما كان للعالم أن يبقى على ما كان عليه قط، فالحرب العالمية الأولى أشّرت نهاية النظام القديم.

الوعود المتناقضة أسست قاعدة الصراع

بلهفتهم لتحقيق النصر في الحرب، بذل البريطانيون وعوداً متناقضة للعرب و اليهود و لحلفائهم الفرنسيين و الروس. و في نوفمبر 1917 عشية سقوط روسيا في القبضة البولشيفكية عثر الثوريون فجأة على وثائق سرية من النظام القيصري و الحكومة الإنتقالية، فكشفوا للملأ عن وثيقة اتفاقية سرية وقعت عام 1916 و دعيت ” اتفاقية سايكس-بيكو” على اسمي السير “مارك سايكس” و “جورج بيكو” كبيرا المفاوضات عن الجانبين البريطاني و الفرنسي. تظهر تلك الوثيقة نوايا الحكومتين البريطانية و الفرنسية لتقليم و تقاسم الامبراطورية العثمانية بحيث يقسّمان الغنيمة بينهما دون أن يمنحا العرب أيّ سلطة.

في نفس الشهر و قبل خمسة أيام من تسلط البلشفيكية على روسيا، أصدر البريطانيون (إعلان بالفور) الشهيرالذي سمّي على أسم وزير خارجيتهم آنذاك “آرثر جيمس بالفور”. و كشف ذلك الإعلان عن تعهد الحكومة البريطانية بدعم إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. تلك الوعود المتقاطعة كانت سبباً لخلق مشاكل لا نهاية لها للبريطانيين في السنوات التي تلت/ بل إنها خلقت للعرب و لليهود أنفسهم مشاكل أكبر.

قاتَل العرب الى جانب البريطلنيين ضد الأتراك ليساهموا في صنع النصر الذي حققه الحلفاء على قوى اوروبا المركزية. في المقابل، إنتظر العرب لأخذ السيطرة الكاملة على الأراضي العربية غير تلك الواقعة فعلاً تحت نفوذ الإستعمار الأوروبي، كمصر و عدن و الجزائر. و كانوا ينتظرون دون شك أن يحكم العرب بشكل مطلق كلا من شبه الجزيرة العربية و العراق و سوريا و فلطسين.

كانت فلسطين/ و هو الإسم الحديث للمناطق التوراتية القديمة المسماة اسرائيل و يهوذا، والتي يشار اليها غالباً بتعبير الأراضي المقدسة/ كانت هذه الأراضي تحت سلطة المسلمين منذ القرن السابع للميلاد، باستثناء فترة قصيرة في القرن الحادي عشر كما أسلفنا. و كان بوسع اليهود أن يعيشوا في فلسطين، إلا أن أي محاولة منهم لخلق وطن قومي لليهود كانت ستجابَه بمقاومة عنيفة.

في مؤتمر باريس للسلام و الذي قاد الى توقيع اتفاقية “فرساي” تعرض موفدو العرب (و معهم تي.أي. لورنس) الى الخيانة حين قام الحلفاء المنتصرون بتقسيم الإمبراطورية العثمانية بين البريطانيين و الفرنسيين، قطبا الحرب الأكثر تأثيراً. و منحت عُصْبَة الأمم و التي تشَكَلت حديثا آنذاك البريطانيين حق الإنتداب على فلسطين و الأردن و العراق. و نال الفرنسيون حق الإنتداب على سوريا و لبنان. أما العرب و اليهود فلم ينل أي منهم ما وعد به، آنذاك على الأقل.

البريطانيون يرثون معضلة

كانت فلسطين كبرى المشكلات. للوهلة الأولى سمح البريطانيون بالهجرة غير المحددة لليهود الى فلسطين ما دعا الى تعالي احتجاجات العرب، و قد دعا العرب -في ظل خوفهم من سيطرة يهودية مطلقة- البريطانيين الى ايقاف الهجرة اليهودية، و هذا مافعله البريطانيون، إلا أنه جاء متزاماً مع اندلاع الحرب العالمية الثانية حين قضت مذابح الهولوكوست النازية على 6 ملايين يهودي، أي أن طريق هروب اليهود الى فلسطين قد أغلق في الوقت الذي كانت الحاجة اليه في أمسّها.

و أبان العقود الثلاثة التي سيطر فيها البريطانيون على المنطقة تواصلت تغيرات خارطتها السياسية. و إستعاد المصريون سيادتهم في عام 1922، كما نالها العراقيون في عام 1932، رغم استمرار نفوذ البريطانيين في كلا الدولتين. و نال لبنان استقلاله عن فرنسا في عام 1941، فيما حصلت سوريا على الإستقلال بعد خمسة أعوام أي في 1946، و هي نفس السنة التي خلق فيها البريطانيون دولة فلسطين العربية بمنحهم الإستقلال للأردن.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945، بدأت بريطانيا المنهَكَة تنسحب من أقاليم إمبراطوريتها، و منحت الهند و باكستان الإستقلال في عام 1947، ليعقب ذلك خلال أقل من عام إنسحاب من فلسطين.

و لم يعد بوسع البريطانيين حماية السلام بين العرب و بين اليهود. فقام ارهابيون يهود بنسف فندق” الملك داوود” حيث مقر القيادة العسكرية البريطانية في أورشليم، ليذهب ضحية الهجوم نحو 100 جندي بريطاني. و كما هو الحال في الهند لم يعد الشارع البريطاني يدعم الحكومة و لم يعد أحد مستعداً للمخاطرة بحياة البريطانيين للحفاظ على السلام بين قوى معادية للوجود البريطاني. و أشعر البريطانيون منظمة الأمم المتحدة التي كانت قد حلت توا محل عصبة الأمم المنحلة أنهم سيغادرون فلسطين، و أمهلوا المنظمة مدة 6 أشهر قبل إنسحابهم.

ولادة دولة إسرائيل

صوتت الأمم المتحدة الى جانب تقسيم فلسطين بين العرب و بين اليهود، على أن تصبح “أورشليم” مدينة مدوّلة. قبل الإسرائيليون القرار فيما رفضه العرب. و بانسحاب البريطانيين أعلنت القيادة اليهودية ولادة دولة الدولة اليهودية المستقلة في ليلة 14/15 آيار/مايو عام 1948. خلال ساعات هاجمت جيوش خمس دول عربية مجاورة دولة إسرائيل و هي عازمة على تدمير الدولة الفتية التي لم يَتَعَدَ عدد سكانها نصف مليون نسمة.

استمرت الحرب حتى أوائِل العام التالي و أسفرت عن ضمّ إسرائيل أراض جديدة اليها علاوة على الأراضي التي نص عليها قرار الأمم المتحدة. و غادر معظم سكان هذه المناطق من العرب أراضيهم ليبقوا منذ ذلك الحين لاجئين يقيمون في مخيمات مؤقتة في الضفة الغربية و غزة و لبنان و سوريا و الأردن و مصر و العراق. أما العرب الذين بقوا في إسرائيل فقد حصلوا على جنسية الدولة الوليدة إسرائيل -و من سخرية الأوضاع أنهم اليوم يتمتعون بحريات شخصية تفوق بكثير تلك التي يتمتع بها أقرانهم العرب في الدول العربية.

أعقب ذلك حروب متعاقبة. في عام 1956 تحالفت إسرائيل مع بريطانيا و فرنسا ضد مصر في محاولة لإستعادة قناة السويس التي إستولت عليها حكومة مصر الثورية. و أرغم التدخل الأمريكي الدول الثلاث على الإنسحاب من مصر مما شكل دعما كبيراً للحس القومي العربي آنذاك. و خلال بضع أعوام فقد الفرنسيون الجزائر و لم يعد لهم حضور في المنطقة. و خلال عقد من الزمان بعد أزمة قناة السويس فقد البريطانيون كل إمبراطوريتهم و إنسحبوا من المنطقة تماماً في عام 1971.

حل محل هذه القوى الأمريكان و السوفيت، قطبا الحرب الباردة اللذان اعتمدا أنظمة تقاتل عنهما بالوكالة في منطقة الشرق الأوسط.

زوال الإمبراطوريات القديمة

لكن لم يكن بوسع أحد ايقاف المد القومي العربي، و بقيت فكرة الوحدة العربية مشروعاً شاخصاً في أذهان الشعوب في الشرق الأوسط. و لم يكن العرب هم الوحيدون الذين إنفصلوا عن الحكم الإستعماري الأوروبي، بل إن دُوَلاً جديدة عديدة عبر العالم أخذت تظهر على الخارطة بسقوط الإمبراطوريات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. فيما شهدت الحرب العالمية الأولى سقوط الإمبراطوريات الأوروبية التي حكمت أجزاء كبيرة من أوروبا. و أخذت تتبعها الإمبراطوريات ذات المستعمرات المنتشرة حول العالم. لم تشهد خارطة العالم تغيرات دراماتيكية سريعة مثل تلك.

و لتصور مدى عمق التغيير الذي حدث، علينا أن نتذكر أنه بعد توقيع معاهدة فرساي عام 1919 مباشرة، لم يكن هناك دولة عربية مستقلة واحدة. و باستثناء دولة فارس”إيران” و دولة افغانستان، لم يكن على وجه الأرض دولة مسلمة واحدة مستقلة.

وقاد إسقاط دولة السلاطين العثمانيين الى تأسيس الجمهورية التركية العلمانية- و التي تعني ضمن ما تعني أنّ الشعب بقي اسلامي التوجهات فيما تحولت الحكومة الى العلمانية- لتتحرك ضمن عجلة السياسة و الفلسفة الغربية. و رغم أنّ مصر تمتعت بالإستقلال منذ عام 1922، غير أن ملكها لم يكن عربياً، كما أنّ البريطانيين بقوا يسيطرون على خيوط المشهد من وراء الكواليس.

و بقيت كل المناطق الإسلامية في العالم تحت السيطرة الأوروبية، ومن الغريب حقا أن تكون أكبر قوة “إسلامية” في ذلك الوقت هي بريطانيا العظمى، لسبب أنها كانت تحكم شبه القارة الهندية، و التي تشمل ما يعرف اليوم بالباكستان و بنغلادش و سريلانكا.

أما اليوم، فيوجد في العالم 57 دولة إسلامية يحكمها مسلمون، و يشمل هذا 22 دولة عربية تضم أراضيها معظم مخزونات النفط في العالم والتي تمثل عصب حياة الاقتصاد العالمي، لذا أفَلَيْسَ من الغريب أن يقفز الشرق الأوسط و الإسلام فجأة الى واجهة القضايا المهمة في العالم؟