Preaching the Gospel, Preparing a People

نبوءات دانيال عن الإمبراطوريات الأربع

You are here

نبوءات دانيال عن الإمبراطوريات الأربع

Login or Create an Account

With a UCG.org account you will be able to save items to read and study later!

Sign In | Sign Up

×

بين الأسرى اليهود الذين أخذوا من يهودا الى بابل، شاب كان اسمه العبري” دانيال”، و قد أطلق عليه البابليون اسم “بلتشازار” (دانيال ص:1 ع:1-7).

عاش دانيال أبان العهود الغريبة لإنهيارمملكتي يهوذا و بابل. و كان مسؤولاً مرموقاً في الحكومة البابلية و في الحكومة التي تبعتها، ابان عهد الامبراطورية الميدية-الفارسية-.

كتاب دانيال انبأ باحداث تحققت قبل قرون طويلة خلت، و بأحداث مهمة أخرى ستحدث لاحقاً. الكتاب عبارة عن تاريخ للمنطقة كتب سلفاً، بدءاً من عصر دانيال و حتى ميعاد عودة يسوع المسيح. و مع ذلك فقد فقد قال الرب لدانيال في نهاية الكتاب “و أنت يا دانيال، أخْفِ الكتاب و اختم السفر إلى وقت النهاية، كثيرون يسرعون ذهاباً و إياباً و تزداد المعرفة” (دانيال ص:12، ع:4)، و هذا يدل أن بعض أهم النبؤات التي كانت بلا معنى فيما مضى، سيمكن تفسيرها باقتراب النهاية.

نبوءات دانيال دليل قاطع على دقة ما جاء به الكتاب المقدس. في العديد من هذه النبوءات تفاصيل دقيقة لطالما أربكت نقاد الكتاب المقدس.

في الحقيقة أن بعض المشككين لم يتحدوا ما جاء في نبوءات كتاب دانيال الدقيقة، و عوضا عن الإقرار ان كلماته جاءت في الحقيقة بايحاء سماوي، وصفوا الكتاب بالدجل و بل زعموا أن الكتاب لم يكتب في القرن السادس قبل الميلاد و كاتبه لم يكن دانيال-و هو القرن الذي تشير اليه الأحداث المدونة في هذا الكتاب-، مشيرين الى ان الكتاب قد كتب في القرن المئة و ستون قبل الميلاد بقلم كاتب مجهول…بمعنى انه كتب بعد زمن طويل جدا من احداث تنبأ بها الكتاب، مما يجرد النبوءات من طبيعتها الإستباقية للحدث. و هذا هو السبب –كما يزعمون– في دقة النبوءات التي وصفها النص!

نصوص دانيال تتحدى مزاعم النقاد. و لكن لندرس في البداية طبيعة مقاربتهم للموضوع. هم ينكرون إن دانيال هو المؤلف لأنه يشير الى نفسه في الفصول الأولى بضمير الشخص الثالث (الغائب)، كما لو كان يتحدث عن شخص آخر. إلا أن (مجلة الإكسبوزيتور) تشير أن “ذلك كان هو الأسلوب السائد عند الكتاب القدامى حين تناولهم لوقائع التاريخ” (1985 الجزء 7 ص:4) ولكن حين كتب دانيال بعض تجاربه الشخصية، استخدم ضمير المتكلم (دانيال ص:7 ع:15، ص:8 ع:15، ص:9 ع:2، ص:10 ع:2).

و من المهم أن نعرض هنا من هم نقاد دانيال. أول من شكك بصدقية تأليف دانيال للكتاب كان المؤرخ و الاكاديمي اليوناني “بورفيري” الذي عاش من 233 ميلادي الى 304 ميلادي. و يعرفه المؤرخون على أنه كان “افلاطوني جديد”، الأمر الذي يعني إلتزامه بتعاليم الفيلسوف اليوناني افلاطون بدلا من الكتاب المقدس”. كان بورفيري خصماً عنيداً للمسيحية و مدافعاً شرساً عن الوثنية و التشكيك بها” (الانسكلوبيديا البريطانية. الطبعة 11 الجزء 22 ص. 104، بورفيري).

و بما أن بروفيري كان من أعداء المسيحية فأن موضوعيته تبقى موضع سؤال. و يفتقد فكره الأساس الواقعي ، كما أن رؤياه تناقض ما شهد به يسوع المسيح بأن دانيال هو مؤلف الكتاب (متى ص:24 ع:15).

و نبذ العالم الإنجيلي “جيروم” (340-420 م ميلادي) ادعاءات “بورفيري”. بعد ذلك لم يأخذ أحد نظريات بورفيري على محمل الجد لقرون طويلة “… لقد أقصى مفكرو المسيحية “بورفيري” معتبرينه وثنياً سمح بأراء طبيعية مشكوك بها أن تتلفع بأسس نظرية طبيعية. و لكن في أبان عصر التنوير في القرن الثامن عشر، أُثيرت الشكوك حول كل العناصر “الخارقة و الغير الطبيعية” في الكتاب المقدس (التعليق لمجلة إكسبوزيتور ص. 13).

بعض علماء اللاهوت المعاصرين ممن يؤمنون بالتعاليم الليبرالية أعادوا النظر بتلك المناظرات القديمة. و يقول “يوجين ميريل” مؤرخ العهد القديم أن عقائدهم مبنية على حجج ضعيفة. “لغة كتاب دانيال و بلاغته تنتمي بجدارة الى القرن السادس قبل الميلاد… و الطروحات الذاتية الملتوية هي وحدها التي أنكرت على كتابات الرجل انتماءها التاريخي” (مملكة الرهبان 1996 ص:484).

نبوءة اعجازية تتحقق

دقة نبوءات دانيال لأحداث في صدرالمستقبل البعيد هي دقة تثير الدهشة. فعلى سبيل المثال “في نبوءة الأسابيع السبعين التي دونها دانيال (ص:9 ع:24-27)“ تبنأ دانيال بدقة بسنة ظهور المسيح و بداية رسالته عام 27 ميلادي (مجلة الإكسبوزيتور ص:9).

نبوءة مدهشة أخرى دونها دانيال في تفسيره لحلم نبوخذدنصر في الفصل الثاني. ففي السنة الثانية لحكمه رأى ملك بابل حلماً مزعجاً عجز عن تفسيره أي من مستشاريه. و كانت الثقافة البابلية تضع أهمية بالغة على الأحلام، و كان نبوخذدنصر على قناعة تامة أن ذلك الحلم كان على قدر من الأهمية ( دانيال ص:2 ع:1-3).

إن رؤيته أعطتنا “كشف عن التخطيط الذي أعده الرب للعصور المتعاقبة حتى النصر النهائي للمسيح” و “أبدت التعاقب المعد سلفا للقوى العالمية التي ستسيطر على الشرق الأدنى حتى النصر النهائي للمسيح في الدهر الاخير” )مجلة الإكسبوزيتور ص39:-46).

و دون اطلاع مسبق على تفاصيله، فَسّرَ دانيال لنبوخذ نصّر جزئيات الرؤيا. “أنت أيها الملك رأيت فاذا بتمثال عظيم هائل كثير البهاء. كان واقفا أمامك و كان منظره رهيبا. و كان رأسه من ذهب خالص، و صدره و ذراعاه من فضة، و بطنه و فخذاه من نحاس، و ساقاه من حديد و قدماه بعضهما من حديد و البعض من خزف” (دانيال ص:2 ع:32-33).

أخبر دانيال نبوخذدنصّر ان امبراطوريته البابلية تمثلت بالرأس الذهبي (عدد:37-38). الفضة و النحاس و الحديد من جزئيات التمثال هي مكونات الجسد التي تعبر عن حالة الامبراطوريات الثلاث التي سوف تعقب بابل المقتدرة (ع:39-40)

تفسير هذا الحلم أوجد رؤيا استباقية مذهلة للتاريخ. حلم نبوخذدنصر الذي فسره دانيال حدث في عام 600 قبل الميلاد. و عبّرت الصورة بشكل رمزي عن تعاقب الامبراطوريات التي ستسيطر على المشهد السياسي للمنطقة لقرون طويلة.

“ الامبراطورية الفضية كانت مملكة ميديا -فارس-، التي بدأت بالملك “ساريروس الكبير” قاهر مملكة بابل في عام 539 … و قد سادت المملكة الفضية في الشرق الأوسط و الأدنى على مدى قرنين من الزمان.” (مجلةالإكسبوزيتور ص. 47).

أما امبراطورية النحاس فكانت الامبراطورية الإغريقية المقدونية التي أقامها “الإسكندر الكبير”…و قد دامت مملكة النحاس ما بين 260 الى 300 عاماً قبل اندحارها و صعود الامبراطورية الرابعة” (المصدر السابق).

“ أما الحديد فيرمز للقوة و الصلابة و هو ما و صفت به الامبراطورية الرومانية التي بلغت اقصى مديات اتساعها في عهد الامبراطور “تراجان” (المصدر السابق). و قد حكم “تراجان “ كامبراطور منذ عام 98 ميلادي الى عام 117، فيما سادت الامبراطورية الرومانية لقرون طويلة فيما بعد.

و وصفت الامبراطورية الرابعة في الرؤيا بانها ذات 10 اصابع في القدمين، و قد تشكلت القدمان و الأصابع بعضاً من الحديد و بعضاً من الخزف كما هو مشار في عدد:41. “يتناول عدد:41 عصراً لاحقاً تَجَلّى في مولد و نهوض الامبراطورية الرابعة، التي عبرت عنها القدمان و أصابعهما العشرة و قد تشكلت من الحديد و الطين المفخور، ما يشكل قاعدة هشة لهذا التمثال الهائل الحجم. و يدل النص بوضوح على أن شكل الحكم سيكون اتحادياً بشكل من الأشكال عوضاً عن مركزياً تديره مملكة واحدة”(المصدر السابق). (لمزيد من التفاصيل، اطلب مجَاناً أو نزّل من الانترنت كُتَيبنا الموسوم “كشف ألغاز كتاب سفر الرؤيا”).

حلم آخر يضيف تفاصيل أخرى مهمة

عناصر أخرى من تعاقب الامبراطوريات التي سادت العالم تكشّفت لدانيال لاحقاً في حلم آخر. هذه المرة تجسدت الامبراطوريات الأربع بوحوش اربعة: الأسد (امبراطورية بابل)، الدب (امبراطورية ميديا –فارس-)، الفهد (الامبراطورية الأغريقية المقدونية) و الوحش الرابع الذي وصف ب”المروّع” الذي لا يشبه الوحوش الأخرى (دانيال ص:7، ع:1-7).

إلتفت الى ما يقوله العدد:7 عن المخلوق الرابع: “بعد هذا كنت أرى في رؤى الليل، و إذا بحيوان رابع هائل و قوي و شديد جداً و له أسنان من حديد (بما يوازي الساقين الحديديتين في الحلم الآخر) أكل و سحق و داس الباقي برجليه. و كان مخالفاً لكل الحيوانات الذين قبله، و له عشرة قرون.”

ماذا يعني هذا الوصف؟ كان بدوره اشارة الى قوة روما، التي سحقت كل من عارضوها. “و هكذا فقد جرى تأكيد قدرة روما المتجبرة من خلال تجسيدها في صورة الوحش الرابع المروّع” (مجلة الإكسبوزيتور ص: 87).

العدد 8 من إصحاح دانيال 7 يسترسل في وصف القرون العشرة “فتأملت القرون، فإذا بقرن آخر صغير طلع بينها و إذ بالثلاثة قرون الأولى تُقلَع من أمامه..” و في مكان آخر من نفس الفصل نرى ان هذا القرن يسمو بنفسه الى سمة قائد ديني قوي عالمي (عدد:24-25)، و يفرض قانونا دينياً زائفاً يضطهد به عباد الله الحقيقيين.

و يأخذنا دانيال (ص:7 ع:7-9) الى صميم مملكة الرب على الأرض التي أنشأها المسيح “و أعطاه سلطانا و مجدا و ملكا حتى تعبده و تخدمه الشعوب من كل أمة ولسان و يكون سلطانه سلطاناً أبدياً لا يزول، و ملكه لا يتعداه الزمن”. و هكذا فإن طرز النظام الروماني سيبقى على امتداد التاريخ في دورات متعاقبة حتى النهاية حين يعود يسوع المسيح ليحكم الأرض.

و يعيننا سفر الرؤيا 17 على فهم هذه القوة التي تبقى حتى نهاية الزمان. و هنا ايضاً نجدها متجسدة في شكل وحش، غير أنها تظهر في النهاية في هيئة 10 ملوك “- هم قادة الأمة أو مجاميع الأمم-” الذين يتولون السلطة لساعة واحدة “مع الحاكم الأوحد للقوة العظمى في آخر الزمان، و هو شخص يشير اليه الكتاب المقدس “بالوحش” (رؤيا ص:17، ع:12-13). هذه العودة النهائية للامبراطورية الرومانية تقود الى عودة المسيح حيث “ يشعلون حربا مع الحمل” (ع:14).

كل هذا يتفق مع (دانيال ص:2، ع:44) حيث يشير بوضوح أنّ الظهور الثاني للمسيح سيحدث في وقت ما تزال قائمة فيه آثار الوحش الرابع او المملكة (الامبراطورية الرومانية): “و في أيام هؤلاء الملوك يقيم إلَه السماء مملكة لن تنقرض أبداً، و مُلكِها لا يُترَك لشعب آخر، و تسحق و تفنى جميع الممالك، و هي تثبت الى الأبد”.

الجزء الأعظم من تلك الأحداث التنبوئية، كما فصّلها الحلمان، قد تحقق بالفعل. كما ان اكتمالها التفصيلي يؤيد ما أوحى به الكتاب المقدس. و احتمالات ان يرى شخص ما هذه الأحداث النبوية دون عناية آلهية لا تتفق مع صدقية الوقائع“… لكن في السماء آله يكشف الأسرار فأعلمك أيها الملك نبوخذدنصّر بما سيكون بعد في اّخر الأيام” (دانيال ص:2، ع:28).

النبوءة الأكثر تفصيلا في الكتاب المقدس

و يُسَجِل سفر دانيال ص:11 نبوءة استثنائية أخرى. و قد ظهر ترتيبها التاريخي في (دانيال ص:10، ع:1) بانها ستقع في السنة الثالثة من عهد داريوس ملك فارس. “رجل (ع:5)، هو لاشك ملاك (قارن ذلك بدانيال ص:9 ع:21) جاء ليخبر دانيال بما سيحدث في آخر الأيام” (دانيال ص:10 ع:14).

و النبوءة التي تتبع هذا هي الأكثر تفصيلاً في مجمل الكتاب المقدس. السنة الثالثة من عهد داريوس كانت قبل أكثر من 500 عام من مولد المسيح. مع ذلك فإن هذه النبوءة تسرد وقائعا سيبدأ حدوثها تواً و تستمر حتى عودة المسيح. المراحل الأولى من النبوءة تتصادق مع الكتاب المقدس لأنها كانت قد تحققت بالفعل، و هو ما يتثبت منه الباحث من خلال دراسة تاريخ إمبراطورية فارس و إمبرطورية الأغريق. و ما كان بوسع أي إنسان أن يتنبأ بتفاصيل تاريخية بتلك الدقة.

بعض العناصر التي تعاقبت كانت دقيقة الى درجة يلزمها انتباه شديد. إلا أن مقارنة كلمات النبوءة بوقائع التاريخ تزيل أي شَكْ.

مكيدة سياسية مؤجلة

الآيات الخمسة والثلاثون الأول من (دانيال11) تسرد، قبل أعوام من وقوع الأحداث، وقائع مكيدة بين كيانين سياسيين (“ملك الجنوب”) و (“ملك الشمال”). في التاريخ العلماني، يشار غالبا الى ملك الجنوب باسم (بتولمي). و السلالة البتولمية حكمت البلاد من الاسكندرية في مصر. أما ملك الشمال الذي حكم من عاصمته في (أنتيوش) بسوريا فقد كان يدعى (سيليوسوس) أو (أنتيوخوس).

لنبحث الآن بعض التفاصيل النبوية آخذين في اعتبارنا الحقائق أعلاه. و تكتسب هذه التفاصيل أهميتها من خلال كشفها عن المناخ السياسي و التوترات في الشرق الأوسط في الفترة التي سبقت الظهور الأول و الثاني ليسوع المسيح كمخلص للعالم. و في كلا الظهورين، كانت أورشليم في قلب الصراعات السياسية التي وسمت ذلك العصر.

و يمكنك الحصول على مزيد من المعلومات عن تحقق أجزاء عديدة من هذه النبوءة في مصادر عدة منها (مجلة الإكسبوزيتور) و الذي نستشهد به فيما يلي من البحث، علاوة على مصادر اخرى يعتد بها. و عوضاً عن الإستشهاد بمقاطع مطولة من الكتاب المقدس، نقترح ان تقرأ في نسختك من الكتاب المقدس الأسفار التي نشير اليها، آخذا في اعتبارك أنّ هذه التفاصيل قد سردت منذ أزمنة قبل وقوعها.

(دانيال ص:11، ع:2): الملوك الثلاثة الأخرون هم،“قمبيز” الأبن الأكبر لسايروس . الدعي “سميرديس” وهو دجال ادعى أنه الإبن الأصغر لسايروس و قد أغتيل سراً. و الثالث هو “داريوس” الفارسي. أما الملك الفارسي الذي غزا امبراطورية الإغريق فهو “كزركس” الذي حكم من 485 الى 464 قبل الميلاد (مجلةالإكسبوزيتور ص:128).

الأعداد: 3-4: عدد:3 يضعنا أمام بزوغ نجم الاسكندر الأكبر (المصدر السابق). لغة العدد4 يوحي بأن هذا الفاتح القدير كان مقدرا له ان يحكم لفترة قصيرة…و في غضون سبع أو ثمان سنوات أنجز أكبر فتوحات عرفها تاريخ البشرية. إلا أنه لم يعش بعدها سوى أربع اعوام، ليموت بسبب الحمى في عام 323…(المصدر السابق).

و تقسّمت إمبراطورية الاسكندر الى أربع إمبراطوريات صغيرة ضعيفة (مجلة الأكسبوزيتور ص: 129). أما نجل الإسكندر الذي كان تحت وصاية إبن أحد قادة أبيه فقد قتل في عام 310 كما اغتيل شقيق الإسكندر غير الشرعي في عام 317. “و هكذا لم يتبق أحفاد أو أقرباء بالدم يمكن أن يعقبوا الإسكندر على الملك .” (المصدر السابق). و هكذا لم تتقاسم ذريته ملكه (عدد:4).

و تحارب قادة الإسكندر للسيطرة على إمبراطوريته، تلك الصراعات المتتالية على النفوذ و السلطة أزالت جميع المنافسين باستثناء اربعة تقاسموا بينهم المملكة الى أربعة أقسام. و الأربعة هم: “كاساندر” الذي حكم اليونان و الغرب، “لايزيماخوس” الذي حكم ثيراسه و آسيا الصغرى، “بتولمي” في مصر و “سيليوسوس” في سوريا. إثنان من بين هؤلاء الأربعة – هما بتوليمي و سيليوسيوس وسّعا ملكهما و مناطق نفوذهما، و كانا، كما أسلفنا، ملكان على مصر و على سوريا.

و المكائد التي سيأتي ذكرها ترتبط بهما، و كما أشرنا فهما يعرفان بملك الجنوب (بتوليمي) و ملك الشمال (سيليوسوس) نسبة الى موقعهما من أورشليم.

عدد5: ” كان ملك الجنوب هو بتوليمي الأول (مجلة الإكسبوزيتور ص:130). و التعبير الإنجيلي “أحد أمرائه” يشير إلى سيليوسوس. و قد خدم في الأصل تحت أمرة بتوليمي. و في فترة التآمر و المكائد التي أعقبت وفاة الأسكندر، فرض سيليوسوس في النهاية نفوذه على سوريا و صار ملك الشمال. نجح سيليوسوس في نهاية الأمر في أن يحرز المزيد من القوة و تفَوق على بتوليمي. فاستمرت سلالة “السيليوسيد” في السلطة حتى عام 64 قبل الميلاد.

حرب اللاوديسين

العدد:6: قامت حالة من العداء و التوتر بين ملك الجنوب و بين ملك الشمال. توفي “بتوليمي الأول” في عام 265 قبل الميلاد. في عام 252 سعت القوتان الى اتفاقية تتزوج بموجبها “بيرينيسه” ابنة “بتوليمي الثاني” من “انتيوخوس الثاني” ملك الشمال. هذا الأمر أغضب “لاوديسة” زوجة “انتيوخوس الثاني” الأولى لأن زوجها طلقها. و هكذا فقد تآمرت لاوديسة من مكان ابعادها و نجحت في اغتيال ” بيرينيسه” وابنها الرضيع. “و لم يلبث أن قتل مسموما الملك نفسه (انتيوخوس الثاني) بعد برهة قصيرة ….” (المصدر السابق).

و أعلنت “لادويسة” نفسها ملكة نظراً لأن إبنها سيليسوس الثاني (الوريث الشرعي للعرش) كان ما يزال قاصرا. و تشير النبوءة (ستُقطع ” بيرينيسه” و ترحل) الى الإنقلاب الذي دبرته “لاوديسه” و قتلت اثره “بيرنيسه”. بل ان بعض النبلاء ممن دعموا “بيرينيسه” قد إنقطعوا و تواروا أيضاً عن المشهد.

عدد:7-9: و تعاقبت ردود الفعل في سلسلة من العمليات الحربية التي عرفت فيما بعد بحرب اللاوديسين. توفي “بتوليمي الثاني” بعد فترة قصيرة من قتل “لاوديسة” لابنته “بيرينيسه”. و سعى “بتوليمي الثالث” أن يثأر لمصرع شقيقته فهاجم مملكة الشمال و احتل عاصمة سوريا “آنتيوش”. العدد 8 يصف كيف استعاد بتوليمي “أصناما و كنوزا مقدسة فقدت منذ أزمان بعيدة” (المصدر السابق ص:131) و هي الآثار التي سلبها “قمبيزيز” من مصر في عام 524 قبل الميلاد. في عام 240 عقد اتفاق سلام بين “بتوليمي الثالث” و بين “سيليوسوس الثاني”، و توقفت الأعمال العدائية بين المملكتين حتى عام 221 حين توفي “بتوليمي الثالث”.

عدد:10-12 هاجم أبناء “سيليوسوس الثاني” ملك الجنوب بعد وفاة والدهم. أحد هؤلاء الأبناء هو “سيليوسوس الثالث” حكم ثلاث سنوات، و كانت انجازاته العسكرية محدودة نسبياً. مات هذا الملك مسموماً. أما الإبن الآخر” آنتيوخوس الثالث (الملقب بالعظيم) فقد “ساد و انتصر” و احتل مملكة يهوذا”.

ورد على ذلك ملك الجنوب “بتوميلي الرابع” (عدد:11) فسحق جيش “سيليوسوس الثالث” الجرار المتفوق على جيشه في معركة “رافيا”. بعد نصره عاش “بتوليمي الرابع” حياة فسق، إغواء و عنف و ذبح خلالها عشرات الالوف من يهود مصر (عدد: 12)… فأضعف بذلك كل ملكه.

عدد:13-16 تشير عبارة “بعد بضع سنوات” الى حادث معين. فبعد 14 عاما من اندحاره، ثار “آنتيوخوس الثالث” على “بتوليمي الخامس” الذي تولى الحكم و هو بعد فتي (توفي بتوليمي الرابع في عام 203). كانت المقاطعات المصرية تئن تحت وطأة حكم “بتوليمي الرابع” التعيس و انضم جزء كبير من الشعب –بمن فيهم المتعاطفون مع ملك الشمال- الى “آنتيوخوس” في ثورته على ملك الجنوب. إلا أنّ القائد المصري “سكوبوس” سحق أخيراً هذا التمرد (ع:14).

كما شتت “سكوبوس” قوات “آنتيوخوس الثالث” في شتاء عام 200-201. رد ملك الشمال على ذلك بغزو آخر، فأحتل مدينة “صيدون” (بمعنى المدينة المحصّنة) حيث إستسلم “سكوبوس” (ع:15)، و هكذا أحرز “آنتيوخوس الثالث” سلطة مطلقة على الأراضي المقدسة، “الأرض ذات الجلال” (ع:16).

عدد:17 و نقرأ في النسخة المنقحة الإنجليزية من الكتاب المقدس: “سيواصل (ملك الشمال) تقدمه بأقصى قوة مملكته، و حين يعقد اتفاقا مع ملك الجنوب، سيزوجه من ابنته الصبية، آملا ان يدمّر بهذه الزيجة مملكته، إلا أن الإتفاقية لن تستمر و لن يصل من خلالها لمقصده”.

بعد أن قهر “سكوبوس”، صمم “آنتيوخوس” أن يقهر مصر بنفسه و يخضعها لسلطانه. فمنح ابنته “كليوباترا” “لبتوليمي الخامس” لتكون زوجه له. كان “آنتيوخوس” مؤمنا أنها ستتصرف بما يناسب مصالحه و تخون مصالح زوجها، إلا أنها أحبطت خططه بوقوفها الى جانب زوجها “بتوليمي”.

عدد:18-19: و في ذروة احباطه و يأسه، هاجم ” آنتيوخوس” جزر و مدن منطقة “أيجة”. كما أجاز لجوء عدو روما “هانيبعل” ملك قرطاجة، الذي أعانه في الوصول الى بلاد الأغريق. ردت روما على ذلك بالهجوم على جيش “آنتيوخوس” و إلحاق هزيمة ماحقة بقواته، كما أنّ الرومان اقتطعوا أجزاء عديدة من مملكته و ألحقوها بهم و أخذوا عديدين من مملكته كرهائن الى روما بمن فيهم نجله، وفرضت روما عليه جزية باهضة (عدد:18).

و عاد “آنتيوخوس” خائباً يجرجر أذيال العار الى عاصمته “آنتيوش”. و حين عجز عن دفع الجزية الثقيلة الى روما حاول أن ينهب معبدا وثنيا، الأمر الذي أغضب كثيراً السكان المحليون و دفعهم الى قتله ليضعوا نهاية مخزية لحياته المؤزّرة بالإنتصارات (عدد:19).

عدد:20 بينما لم ينص الكتاب المقدس حول التفاصيل، إلا ان كتاب سفر 2 مكابيين ص:3 ع:4-7 يشير الى أن ابن “آنتيوخوس” الآخر والمدعو “سيليوسوس الرابع” عجز هو الآخر عن دفع الجزية الى الرومان، فأرسل اليهودي “هيليودوروس” لينهب معبد أورشليم، وصل الأخير الى المدينة المقدسة لكنه لم يحصل على شيء. فيما بعد لاقى “سيليوسوس” حتفه مسموما على يد “هيليودوروس” و هكذا “لم يلق حتفه في قتال أو حماسة”.

آنتيوخوس ابيفانيس

دانيال ص:11 ع:21-35 يتحدث هذه الآيات عن “آنتوخيوس الرابع ” سيء الصيت (و المعروف ايضا ب”ابيفانيس”)، و هو شقيق سيليوسوس الرابع، الذي كان قد أخذ رهينة الى روما. كان “طاغية مستبداً بفعل أقصى ما بوسعه لتدمير الديانة اليهودية بأكملها” (مجلة الإكسبوزيتور ص:136).

شرّع “آنتيوخوس” قوانيناً تمنع اليهود عن ممارسة شعائر دينهم تحت طائلة عقوبات تصل الى حد الموت. كان رجلا بالغ القسوة، و في عهده جلد النساخ “اليعازر” حتى الموت لأنه رفض أن يأكل لحم الخنزير، كما ذبحت أم وابنائها السبعة بالتعاقب وبحضور حاكم المدينة بعد رفضهم الركوع لصورة مجسدّة (صنم). و سيقت والدتان ختنتا ابنيهما عبر شوارع المدينة ثم ألقي بهما الى الأرض من أعلى سور شاهق” (تشارلز بفايفر، بين العهدين، 1974 ص:81-82).

عدد:31 يشير هذا العدد الى الوقائع المشؤومة ليوم 16 ديسمبر عام 168 قبل الميلاد حين دخل “آنتيوخوس” غاضبا ساخطا الى أورشليم و قتل 80 الفا من سكانها، نساء و رجالا و اطفالاً (ماكابيون ص:5 ع:11-14). ثم دنس المعبد حين عرض قربانا الى كبير آلهة الأغريق “زوسّ”. كانت هذه الواقعة الدامية نذيراً بوقائع شبيهة بأخرى قال يسوع المسيح انها ستقع في اليوم الأخير (متَى ص:24، ع:15).

عدد:32-35 تَصِفُ هذه الأعداد على ما يبدو شجاعة اسرة “الماكابيين” و إرادتهم الصلبة، من خلال وصف حالة هيئة لاويين قاومت آنتيوخوس و من خلفوه. و قد اشتعلت ثورة “الماكابيين” ضد الملك السوري حين” قاد “ماتاثياس” كبير لاويّ مدينة “موداين” حرب عصابات من مرتفعات المنطقة و ذلك بعد مقتل أحد ضباط آنتيوخوس الذي كان قد أصدر أمراً بعبادة الأوثان و الأصنام في المدينة…” (مجلة الإكسبوزيتور ص :136).

سَانَدَ “ماتاثياس” في ثورته خمسة من أبنائه أشهرهم “يهوذا” و عرف أيضاً ب”يوداس” و أطلق عليه إسم “ماكابا” (المقابل الآرامي لكلمة مطرقة، و منه اشتقت نسبة “الماكابيين”). و لقي العديد من المخلصين مصرعهم في سبيل تلك القضية، إلا أنّ خروج السوريين من البلاد يعزى بشكل كبير الى بطولاتهم.

على مستوى آخر، من الممكن ان تشير هذه الآيات الى “كنيسة العهد الجديد”، خصوصاً في معرض اشارتها الى الأعمال الجليلة، و الإضطهاد الذي تعرضوا له، و الردة.

في الحقيقة فأن نبوءات دانيال تتخذ في هذه المرحلة منحى آخر، مشيرة باسهاب الى (عصر النهاية) في ختام العدد 35. و استشهاداً بالمصدر السابق و في ختام ذلك المقطع في العدد 35 تنتهي المادة التنبوئية التي تنطبق بلا نقاش على وصف عصر الامبراطوريات الهيلينية و الصراع بين “السيلوسيديين” و بين الوطنيين اليهود. أما الفصل الذي نحن فيه (عدد: 36-39) فيعرض رويات و أوصافاً لا تنطبق على آنتيوخوس الرابع، و إن كانت تفاصيل الأحداث تنطبق عليه و على من شُبِهَ به عندما يأتي في الأيام الأخيرة “الوحش”.

و يتفق اللاهوتينيون المحافظون والمتحررين على أنّ الفصل 11 بمُجمَلِه حتى هذه النقطة يعرض نبوءات دقيقة في وصفها لتسلسل الأحداث من عهد الملك “سايروس”، حتى مرحلة الجهود الباطلة التي بذلها “آنتيوخوس ابيفانيس” لإستئصال العقيدة اليهودية (التعليق الشارح للكتاب المقدس ص:143).

من هذه النقطة فصاعداً سيمر أكثر بقليلاً من قرن واحد قبل أن يقهر القائد الروماني” بومبي” أورشليم. حيث وقع جزء كبير من الشرق الأوسط تحت سلطة الامبراطورية الرومانية، كما أنّ جناحها الشرقي ” الامبراطورية البيزنطية” اختزل كثيرا من قوة الامبراطورية الأم في القرون اللاحقة.

و لكن عند هذه النقطة كما سنرى في الفصل اللاحق، ظهر في المشهد قوة عظمى و دين جديد طغت على الشرق الأوسط لقرون عديدة، ألا و هي: امبراطورية الإسلام.